مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
249
تفسير مقتنيات الدرر
يكون عاقبة هؤلاء الظالمين . هاهنا مسألة بيانيّة وهي أنّ المعتزلة تمسّكوا بهذه الآية على أنّ القرآن مخلوق حادث وقالوا : إنّه صلى اللَّه عليه وآله تحدّى العرب بالقرآن وطلب منهم أن يأتوا بمثله ، فلمّا عجزوا عنه ظهر كونه من عند اللَّه ، وظهر صدقه صلى اللَّه عليه وآله ، وهذا التحدّي إنّما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الوجود ولو كان قديما لكان الإتيان بمثل القديم محالا في نفس الأمر فوجب أن لا يصحّ التحدّي به . تحقيق شريف وهو أنّه قال سبحانه في سورة البقرة : « وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه ِ » « 1 » وهاهنا قال : « فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه ِ » فما السبب في ذكر « من » هناك وهنا بغير « من » ؟ والسبب أنّ محمّدا صلى اللَّه عليه وآله كان رجلا امّيّا لم يتلمّذ عند أحد ، ولم يطالع كتابا لا بمعنى أنّه ما كان يعرف اللغات أو لا يعرف العلوم ، أي تحصيله ما كان بطريق التلمّذ بل من لدن حكيم عليم ، وكان أعلم من عليها . والحاصل : فليأت بسورة من مثله أي فليأت إنسان يساوي محمّدا في عدم التلمّذ وعدم مطالعة الكتب وممارسة العلماء بسورة تساوي هذه السورة وهذا لا يدلّ على أنّ السورة في نفسها معجزة ولكنّه يدلّ على أنّ ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمّد صلى اللَّه عليه وآله معجز . أمّا في هذه السورة بيّن أنّ تلك السورة في نفسها معجز ، وأنّ الخلق وإن تلمّذوا وتعلَّموا وتفكّروا وطالعوا فإنّه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور فلا جرم قال : « فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه ِ » . واعلم أنّ الكفّار إنّما كذّبوا القرآن وفرضوه افتراء لأمور : منها - وهو الأعظم حبّ - : الدنيا الفانية وأنّ القرآن مشحون بذمّ الدنيا وبيان مفاسدها وهذا الأمر على خلاف ميلهم وإراداتهم ويبيّن أنّ الدنيا فاسدة ونهاية كلّ متحرّك سكون وموت ، وغاية كلّ متكوّن أن لا يكون ، وكذلك القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر ، والقوم كانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ولم يتقرّر ذلك
--> ( 1 ) البقرة : 21 .